ابن عربي

34

رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن

[ شرف العالم بعضه على بعض بالمراتب ] لم يبق للعالم غذاء يتغذى به في بقاء وجوده ، وأعيان الموجودات كلها كلمات الحق ، وهي لا تنفد ، فمخلوقاته لا تزال توجد ، ولا يزال خالقا ، ولولا الضيق والحرج ما كان للنفس الرحماني حكم ، فإن التنفيس هو إزالة عين الحرج والضيق ، والعدم نفس الحرج والضيق ، فإنه يمكن أن يوجد هذا المعدوم ، فإذا علم الممكن إمكانه وهو في حالة العدم كان في كرب الشوق إلى الوجود الذي تعطيه حقيقيته ، ليأخذ نصيبه من الخير ، فنفّس الرحمن بنفسه هذا الحرج فأوجده ، فكان تنفيسه عنه إزالة حكم العدم فيه ، وكل موجود سوى اللّه فهو ممكن ، فله هذه الصفة ، فنفس الرحمن هو المعطي صور الممكنات الوجود ، كما أعطى النفس الحروف ، فالعالم كلمات اللّه من حيث هذا النفس ، كما قال تعالى : ( وَكَلِمَتُهُ أَلْقاها إِلى مَرْيَمَ ) وليست غير عيسى عليه السلام ، لم يلق إليها غير ذلك . [ سورة الكهف ( 18 ) : آية 110 ] قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحى إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أَحَداً ( 110 ) ما تميز العالم إلا بالمراتب ، وما شرف بعضه على بعضه إلا بها ، ومن علم أن الشرف للرتب لا لعينه لم يغالط نفسه في أنه أشرف من غيره ، وإن كان يقول إن هذه الرتبة أشرف من هذه الرتبة ، ولما كانت الخلافة ربوبية في الظاهر لأنه يظهر بحكم الملك ، فيتصرف في الملك بصفات سيده ظاهرا ، وإن كانت عبوديته له مشهودة في باطنه ، فلم تعم عبوديته عند رعيته الذين هم أتباعه ، وظهر ملكه بهم وباتباعهم والأخذ عنه ، فكان في مجاورتهم بالظاهر أقرب ، وبذلك المقدار يستتر من عبوديته ، لذلك كثيرا ما ينزل في الوحي على الأنبياء « قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ » فكانت هذه الآية دواء لهذه العلة ، وبهذا المقدار كانت أحوال الأنبياء والرسل في الدنيا البكاء والنوح ، فإنه موضع تتقى فتنته ، فقال الكامل صلّى اللّه عليه وسلم : « إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ » عن أمر اللّه ، قيل له : قل ، فقال ، وبهذا علمنا أنه عن أمر اللّه ، لأنه نقل الأمر إلينا كما نقل المأمور ، وكان هذا القول دواء للمرض الذي قام بمن عبد عيسى عليه السلام من أمته ، وكان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم يقول لنا كثيرا في هذا المقام في حق نفسه وتعليما لنا « إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ » فلم ير لنفسه فضلا علينا ، أي حكم البشرية فيّ حكمها فيكم ،